الجالس على غيمةٍ يغني

المقاله تحت باب  نصوص شعرية
في 
02/12/2009 06:00 AM
GMT



 إلى روح الشاعر كزار حنتوش
 
على كتفه الأيمن كأسٌ
وعلى كتفه الأيسر ملاكٌ سكرانٌ
قرب شبّاكه جرّة فخارٍ
وهو يلفّ سيجارته ويواصل الكلام:
"إيه ما كنّا، ولك ابن زناد هكذا تذهب عني غفلةً وتسافر! ماذا قلت لروحك، تعوف صاحبك حتى دون سلام! ما كان يومٌ ولدتُ فيه ولا كان نهارٌ يوم عرفتك، لولا أنك قليل بختٍ لما أدرت ظهركَ وذهبت إلى ليبيا"
رمى الطاسةَ وأخذ جرّة الخمر وكرعَ، ثم أنزلها وهو يعصر وجهَهُ
وبلعومه وقال: (شيحطون له؟)
أشار إلى الموانئ وركض خلف الأبلام وحلاّنات التمر وأكياس الفحم، وتعصّم بالدخان وغاب.
 
كان يشيل بريد الديوانية على كتفيه نهاراً، وفي الليل يفتش في رسائل العشاق والسكارى ويقرأها كقصائد كتبها هو، مائدته مزدحمة بالمغنين وأوراقه مفروشة على الحشيش. يكضُّ غبار الليل ويذهب بنا في نهر يمتد طويلاً، ظنّ أنه البهلول يهشّ عنا غبار الزمان.
كيف قدتنا يا كزار في مشحوفك هذا من بلدتكَ إلى بغداد، وأنتَ تدقُّ الهاون وتطحن ورد البيبون لنا. كان يوزع للفقراء الواقفين على الضفتين النور وأكياس التتـن وباكيتات الشاي، ورمادٌ يتطاير في الماء.. كان كزار يطفيء ناراً، وطيورُ الماء تتبعه..
دثّر القيثارات الذهبية لسومر بالبطّانيات.. ونقلها إلى بغداد، لو أنها تنطقُ لو أن العود يدقّ، لو أن النايات تصحو لكان جمالٌ وكان سحرٌ، كان يطوف المدن ولا يتعب وخزائنه في أفواه الناس.
الأرض على هيئة مسلةٍ يقف كزار في أعلاها وهو يتسلم، من إنكي، جرّة الخمر. هو واقف وإنكي جالسٌ على كرسيه القصب تنبع من أكتافه خطوط المياه.
 
ما زال يُسرفُ في تلذّذهِ، وما زال الفضاء
سجناً لغابته التي اصفرّت وما زالت يداه
نهران من وردٍ تخيطان الزمانَ بلا خيوط
نهران من ألمٍ يدوسان الفجيعة في متاهته التي اتسعت
وغابت في دماه
نهران يشتعلان، دجلة والفرات، وفيهما:
فصل الدخول إلى الخمور
فصل التوغل في الضباب
فصل الحصول على الزوارق والرحيل
فصلٌ يكون كزار فيه مرنـّحاً بين الحقول
يده على الجمرات، يضحك،
جاعلاً من أول الأشياء ألعاباً
وحتى يُخرج الصقرُ السماءَ من المياه
نهران يشتعلان في كفيه مثل سيجارةٍ والكأس
ينفخ بين مداهما مدناً تغني أو تفيض.
 
الجالسُ على غيمةٍ يغني: آه يا ويلي
النقيّ الأكثير بياضاً من البياض يتقدم في ليل الديوانية بدشداشته
وهو يدوس على المجهول ويجرّ مراكبه على التراب:
ـ ماذا أعطاكَ (إنكي)؟.. الملوكية وسرّ المعرفة!؟
ـ لا.. لا.. أعطاني السعادة وجرّة الخمر، السعادة أجمل من الملوكية والخمرُ هو المعرفة.
يدوسُ على المجهول ولحى عنـزاته يلطّخها التراب:
ماذا جرى؟
 
وطنٌ ولا شمسٌ
أيبكي الليلُ شعباً تائهاً ثَقلت مفاصله
ونام ربيعهُ
وطنٌ كأن خرابَه الأزليّ في دمنا
لا الطين يصلحُ حاله لا النفطُ لا الدمُ لا الغناءْ
ماذا تقول لي القصائد في دفاترِه الحزينةِ
ماذا يقولُ كزار للموتى بلا اسم ولا عنوان
فرغت موائده
وما زال النهارُ ملطخاً بالحبر
ما زالت كؤوس الخمرِ تشحبُ أو تشيخ
دفعتكَ الأيامُ إلى بغداد
فجالسكَ الهائمون بأبدية الغناء
وقام (جان دمو) وأخذك معه إلى غيمةٍ
وأعطاكَ (حسن النواب) مظلّته
لكنك كنتَ مشغولاً برشِّ الأزهار على دجلة
الذي كانت تطفو عليه الجثث.
كانت (رسمية) تسحبكَ لكي لا تغرق
لكنكَ ذهبت بعيداً في النهر ورفعت كأسك
فسكرنا نحنُ على الضفاف
وكنتَ على خشبةٍ تمضي في الماء
وطيورٌ غافية، حولك، تطعمها الحنطةَ براحتيك
ألفتكَ الطرقاتُ أيضاً وأحبّت دمدمتك
لو أنك تفهم إشارات الدروب
لما ضيّعت حذاءَك
لو أنك تفهم لغةَ النحل
لكوّمت قواطي العسل في الطرقات
لكنك كنتَ مهووساً بعبد الحليم حافظ والماركسية
وكانت ماركسيتك ورديةً أكثر مما يجب
كان لها حفلات وغجرٌ وخرافات في الحبِّ
   عبد الحليم متى ستأتي للعراق؟
   لكي يحلِّق في حريرك
   ولكي يبوس أغانيكَ الجميلة أو يبوسَكْ
   دندن له ما شئتَ
   كي يصحو قليلاً في غنائكَ.. في طيوبكْ
   ما زال يسرفُ في محبتِهِ
   وصورتك الجميلة في جيوب كزار وهو يودّع الدنيا
   وصورتُه الخفيّةُ في جيوبكْ